الثلاثاء، 19 فبراير، 2013

أعراس مغربية تتحول إلى عقبة "إفلاس" إرضاء لأعين الناس

أعراس مغربية تتحول إلى عقبة "إفلاس" إرضاء لأعين الناس

أعراس مغربية تتحول إلى عقبة "إفلاس" إرضاء لأعين الناس
وهبت امرأة نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجب.. فقام رجل من القوم وقال: "يا رسول الله أنكحنيها. قال: "هل عندك من شيء". قال: لا. قال: "اذهب فاطلب ولو خاتما من حديد". فذهب فطلب ثم جاء فقال: ما وجدت شيئا ولا خاتما من حديد. فقال: "هل معك من القرآن شيء". قال: معي سورة كذا وسورة كذا. قال: "اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن".
هكذا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزوج الرجل للمرأة بخاتم حديد أو آية أو بستان.. جاعلا بلوغ الحلال عند طلبه أسهل على السائل من سلوك طريق الحرام. كيف بنا اليوم، في مجتمع يصعب الحلال بكل العراقيل المادية والمعنوية.. من بروتوكولات خطبة ولقاء.. وميزانيات أعراس وصداق.. وتفاصيل أكل ولبس تقطع بكثرتها الأنفاس والأرزاق، جعلنا الحلال حصنا مسدودا صعب الاختراق.. والحرام يمشي طليقا في الأسواق..
حدد الإسلام شروط الزواج، في موافقة الطرفين، وحضور ولي الأمر، وصداق مسمى، وشاهد عدلين، وعلن. هكذا يستوفى شرعا وتصبح المرأة حلال للرجل على سنة الله وسوله.
ثم قننت الدولة ببيروقراطية الإدارات والأوراق، عقد الزواج ليصير مؤسسة منبنية على بنود المدونات، ويبث القاضي في جوازه سنا وأحوالا ويمرره من مصفاة القوانين قبل أن تصير المرأة حلال الرجل على سنة الدولة المدنية
شهادة مغربية متزوجة من أجنبي
وجدت (م.ن)، 35 سنة، منذ قرابة السبع سنوات، الكثير من العقبات في محاولات تقنين زواجها بفلسطني بالمغرب، ما جعلها تتخلى عن عقد الزواج المغربي وتغادر إلى بلد عمل الزوج لتقنن هناك زواجها بأوراق أقل بكثير مما أقرته مدونة الأسرة المغربية الجديدة، التي جعلت زواج المغربية من أجنبي يمر على يد قاض يحكم في جوازه.
وفي حالة (م.ن)، فقد مر أمر زواجها، بيد قاضية من الرباط، قبضت ثمن تسريع الإجراءات 5000 درهم، وحين تعقدت الإجراءات وتعطل التصريح بالزواج طولبت من طرف أسرة العروس بإعادة المبلغ، لولا خوفها من الفضيحة لما تخلت عنه!
كثيرون يؤكدون أن تلك الإجراءات كلها في صالح المرأة، حتى وإن امتنع الزوج عن القوامة أو منعها عن أولادها حين طلاق يكون لها حق التداعي في محاكم المغرب التي قد تعيد إليها حقا، لكن هذا قد يصح في بلد قضاءه يرد الحق لأصحابه. جولة في محاكم المملكة، قد تكفي الفرد إلى مغادرة البلد والتخلي عن شهادة ميلاده، فكل تلك الأوراق والإجراء ات وقوانين المدونات يقف متنها شاهدة على قلة التطبيق، حتى تضيع معانيها مع الأعوام وتطور الحياة وتصبح قوانين بلا فائدة وكأنها وجدت لزيادة إرهاق المواطن.
لا زالت (م.ن ) تقيم حتى الآن ببلد عمل الزوج، دون عقد زواج مغربي، بطفلين بجنسيات تابعة لجنسية الوالد، وإقامة في بلد النشأة، تتحسر كثيرا على مدونة بلدها التي خذلتها حتى قبل الزواج.
عتبة بيت الأسرة أكبر العقبات
هكذا بنيت العقبة الأولى، من قراءة فاتحة إلى فواتح ومغاليق بين سراديب الإدارات وموظفيها وكاتباتها، وشهادات عدلية وطبية، ليمر إلى المساءلة عن الأحوال المعيشية الوظيفية السكنية، في استجوابات تنتظر الزوج في بيت العائلة!
ويبدو من أول لقاء للمقبلين علي الزواج، أن عتبة بيت الأسرة هي أكبر العقبات، لما تحمل في تلك الساعة أو الساعتين من تفاصيل تنهك النفس قبل الجيب والبدن. يستجمع فيها الخاطب من قواه الحسية والروحية ما قدر عليه من ثقة بالنفس وحسن خطابة وزعامة وارتجال، فقط ليطلب يد فتاة رغب فيها لو كان في عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم لتزوجها بكلمة: "أنكحتكها بما معك" كما في الحديث أعلاه.
وتتوالد العقبات، في طريق الراغبين في الزواج، ولا يساعد بعض المقربين إلا في زيادة عددها وعلوها، خاصة بتعليقات المقربين وانتقادات الوالدين وأسئلة الكثيرين عن الكم والكيف والزمان والمكان. وكل ما يأتي بعد قرار الزيارة الأولى مفاتيحه بالمال، كل التجهيز والتحضير والإعداد والاستعداد والضغوط الاجتماعية في سؤال: كم معك.. ما يلزمك!
ثم تبدأ العروس تحمل هم شكل البيت والفرش والديكور، وقد تعيد تأثيث بيت أبويها من البداية، صباغة وجبسا وستائر وعلوية وأرضية حتى ترضي إحساسا قد يعلو وقد يخيب بطريقة نظرة حماة المستقبل إلى بيت الأسرة.. في انتظار سؤال: "كاريين ولا شاريين"؟..
وقد تلجأ أم العروس إلى تشكيلة من الأطباق بين المغرب والعشاء ابتداء بصواني الحلويات والشاي والقهوة ثم طواجن لحم ودجاج لإلهاء الحاضرين عن الحملقة وتصفح أحوال الدار وأهلها..
كل هذا من جيب والد العروس، أو الوالدة في مجتمع نساءه يحملن ثقل النفقة، أو من جيب الفتاة نفسها تجد فيها متسعا لرواتب الوظيفة، وإن كان ميسور الحال لم لا، من جيب زوج المستقبل، مساعدا على تنميق صورة أهل العروس!
أول زيارة... أصعبها
هي أول زيارة وأصعبها، تخيب أو تصيب في تقرير مصير العائلتين، حسب ما يبحث عنه كل من الطرفين، مال أو شكليات أو ألفة وعشرة، أم دين ويقين واحترام وتقدير.. فإن تلاقت الخلفيات كان به، قراءة الفاتحة ولبس الخواتم وعادات ليست من العبادات في شيء، وأكل وشرب وتفكه وتنكه وتبادل عنواين وأرقام هواتف.. على أساس بداية مرحلة التعارف. وإن تصادمت الخلفيات يبقى على الزوجين حق تقرير المصير، إما صبر على ما هو آت من اختلافات، وإما فرقة وإنهاء علاقة أفشلها اختلاف قرروا معا أنه خلاف! رغم أن مزاعم العائلات في الخلاف يكسر قلوب كثير من المتحابين الذين قال فيهم فيما رواه البيهقي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت للمتحابين مثل النكاح"، على أن الزواج هو العلاج الوحيد والمأمن الفريد لكل عاشقين، منعهما منه على أسس مادية سطحية ليس إلا فتحا لطرق الحرام وتشجيعهم عليه!
"المادية" في عقلية العائلات المغربية
طلب يد حبيبته، وهو لا زال في بداية الطريق، براتب هزيل، تقدم بشبابه وصحته وعزمه على العمل المتواصل لتسلق سلالم الدخل حتى يحقق لعروسه المستوى المعيشي التي اعتادت عليه.. لكن كل ذلك لم يكن كافيا لإقناع أم العروس التي لا ترضى بأقل من 5 ملايين سانتيم صداقا وعرسا فاخرا، مفضلة أسرة أخرى أكثر اقتدارا، على رجل. هكذا خرج الخاطب خاوي الوفاض وتزوجت الفتاة بالمهر المطلوب بالعرس الفاخر من شاب مقتدر الأب يقطن بإيطاليا.
غادرت معه العروس، واضطرت وهي لا زالت في شهر العسل البحث عن عمل، فالشاب كان من نوع "كان أبي"، عاطلا ينتظر زوجة براتب تقوم محله بدور القوامة والنفقة. أنفقت عليه المهر كاملا، وعملت ووضعت راتبها رهن إشارته، وخلفت منه طفلة، لم تستطيع التوفيق بين رعايتها والعمل، فاضطرت إلى القعود في البيت، وبين جواهرها من المهر وهدايا العرس الفخم وأثات البيت حتى أصبحوا في الحضيض، حتى أصبحوا في مشاكل وقتال يومي على الخبز والماء وثمن الكراء، فطلبت الطلاق وعادت بابنتها إلى المغرب. هكذا استقبلتها الأم التي باعتها إلى من قال هذا أبي، وطردت رجلا لفقره قال ها أنا ذا. يحكيها الشاب دون تشفي، لكنه يحكيها أسفا على عقليات تجعل من الماديات أساس لعشرة الحياة، فتكسر بذلك كل معاني الحياة.
الخطبة تأكل الميزانية والصبر والتضحية...
مرحلة بداية الخطبة، التي يطول بعدها التأهيل والتحضير لعقبة العرس قبل الزواج، يمهد لها ويجهز لها بقدر العرس نفسه، تأكل منه الميزانية والمال والصبر والتضحية.. رغم أن الخطبة، مع وجودها في القرآن الكريم بدليل الآية: "ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا"، إلا أن الحديث الأول في الموضوع يدل على عدم وجوبها قبل عقد الزواج كما قال بذلك العلماء: "لا يشترط في صحة العقد تقدم الخطبة إذ لم يقع في شيء من طريق هذا الحديث وقوع حمد ولا تشهد ولا غيرهما من أركان الخطبة، وخالف في ذلك الظاهرية فجعلوها واجبة، ووافقهم من الشافعية "أبو عوانة" فترجم في صحيحه: "باب وجوب الخطبة عند العقد"، وفيه أن الكفاءة في الحرية وفي الدين وفي النسب لا في المال، لأن الرجل كان لا شيء له وقد رضيت به، كذا قاله "ابن بطال"، وما أدري من أين له أن المرأة كانت ذات مال. وفيه أن طالب الحاجة لا ينبغي له أن يلح في طلبها بل يطلبها برفق وتأن، ويدخل في ذلك طالب الدنيا والدين من مستفت وسائل وباحث عن علم."
وفي تبسيط للشرح، أن مطالب أسرة المرأة أو المرأة نفسها في الزوج الأحرى أن تكون عن رجولته كرامة وعفة وخلقا ودينا، لا عن ماله ومركزه ومظهره وما هو جالب معه، إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوج بتعليم سورة من القرآن كصداق، وقد وردت أحاديث في أقل الصداق لا يثبت منها شيء، منها عند ابن أبي شيبة من طريق أبي لبيبة رفعه: "من استحل بدرهم في النكاح فقد استحل".
كما يأتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لأربع".. وهو وصف لواقع وليس نصح به ولا إجبار عليه، لمالها وجمالها وحسبها ودينها. ويأتي النصح حين يقول صلى الله عليه وسلم: "فاظفر بذات الدين تربت يداك" ـ أي أن الأمر كل الأمر في الدين والخلق. وما عدى ذلك شكليات على قدر المستطاع دون تكلف ولا تدين ولا تفضل ولا من ولا تبذير وضياع!
أعراس تلتهم الملايين
ومهما كان مبلغ الصداق أو كمه أو ماهيته، يبقى أنه اتفاق بين الطرفين أو الأسرتين حسب مدى استقلالية الزوجين في تقرير تفاصيل زواجهما، ليتجلى بعد شبح القاعات و"النڭافات" والحلويات والمؤدبات وملايين تلتهمها الأعراس، ليتحول رصيد الرجل من إقبال على الحياة برضا وتواضع إلى عزوف وخوف وتراجع!
ووفق شهادات استقتها هسبريس، فإن أثمنة كراء قاعات أعراس تبتدئ بمبلغ 8000 درهم لليلة، وتصل إلى 10 ملايين وفوق، فقد تكون مبالغ شقق السكن الاقتصادي لعائلة من الطبقة المتوسطة، ثمن ليلة في قاعة برياض بمراكش لإقامة حفلة عرس، وهي مبالغ تتغير حسب المواسم، والمواضع، والمساحات، وفخامة القاعات.. وقد يجهز المبلغ ويتعذر على العرسان حجز قاعة لكثرة الطلب في مواسم الربيع والصيف!
كذلك الأمر في فواتير "النڭافات" التي تبدأ من 3000 درهم، وتتفاوت، حسب شكل الألبسة التقليدية المتوفرة لدى "النڭافة" ومدى مهارتها في الماكياج والاعتماد عليها للوقوف جنب العروس وأمها، وزد على ذلك الأجواق، مرورا بمغنيي الأعراس وملايينهم، في الوقت الذي يلجأ فيه البعض الآخر إلى جلب "دي دجي" أو تقني موسيقى، إضافة إلى المصور الفوتوغرافي، و"الكاميرمان" والمصاريف التي تخصص لمموني القاعات، بين كراسي وعماريات، ومساعدين وطباخات.
بنحماد: الغلاء الفاحش في الأعراس..تطرف وإسراف
وفي تعليقه على موضوع غلاء الأعراس، اعتبر الدكتور مولاي عمر بن حماد، نائب رئيس حركة "التوحيد والإصلاح"، أن "المسألة أصبحت عقبة رهيبة تحول بين الناس وبين الزواج فما يكاد المرء يحدث نفسه بالزواج حتى تتناسل أمامه مطالب لا تنتهي" يقول المتحدث، الذي أضاف أنه في مثل هذه الأمور تضيع بلا شك سمة أساسية من سمات الدين الإسلامي وهي الوسطية والاعتدال.
http://t1.hespress.com/cache/thumbnail/article_medium/omarbenhamad_362559226.jpgوإذا كان الحديث - يقول بنحماد- كثر عن جوانب من التطرف فالواجب يفرض تصنيف هذا الغلاء الفاحش في الأعراس من التطرف والإسراف والتبذير وكل ذلك مذموم والله تعالى يقول في وصف عباد الرحمن :" وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً [الفرقان : 67]
وأردف أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة مولاي اسماعيل قائلا: "إنها عادات وأعراف سيئة تتفاوت من منطقة أخرى ولكنها تشترك في كونها مرهقة مكلفة وأحيانا تصير مانعة من الزواج أو تضطر المتزوجين إلى الاقتراض بكل تبعاته. الغالب أن ذلك يكون بضغط من العائلة، ويدخل في ذلك قصد المباهاة، وأن يكون العرس الذي سيتحدث به الناس" مضيفا أنه "من الطرائف التي تذكر هنا أن أحدهم فكر في تقديم شيء لم يسبق إليه فقدم تمرا ملفوفا بورقة من فئة 200 درهم وفي اليوم وجد الناس ينكرون عليه أنه قدم التمر مرة واحدة بما يؤكد القاعدة الذهبية إرضاء الناس غاية لا تدرك".
وعن المسؤولية في قضية غلاء الأعراس، يرى بنحماد أنها "مشتركة بين المعنيين بالزواج والذين لا يستطيعون أن يتحرروا من ضغط الأسرة فيستسلمون لطلباتها التي لا تنتهي" مشيرا أن "الطرف الثاني بلا شك أسر المتزوجين التي تراعي ما ترجوه من الذكر الحسن عند الناس وقد يتحقق والغالب أنه لا يتحقق، ولكنها بالمقابل تكلف الزوجين مبالغ مالية هم في أمس الحاجة إليها لبناء أسرهم".
وختم نائب رئيس حركة "التوحيد والإصلاح" حديثه إلى هسبريس قائلا إن "المسؤولية تمتد أيضا إلى العلماء والدعاة ووسائل الإعلام وكل الجهات التي يمكنها أن تسهم في التحذير من الظاهرة وبيان آثارها السلبية على المجتمع والتي تصل إلى تفشي العنوسة" يورد بنحماد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق