الخميس، 28 فبراير، 2013

إمنفري.. عندما يستكين سحر طبيعة إلى وسائد النسيان

إمنفري.. عندما يستكين سحر طبيعة إلى وسائد النسيان

إمنفري.. عندما يستكين سحر طبيعة إلى وسائد النسيان
تبعد عن مدينة دمنات بسبع كيلومترات ممتدّة على طريق جبلية يحتاج عبورها على القدمين قرابة الساعة والنصف، أمّا الاستعانة بالتاكسيات الكبيرة فتكون نظير ثلاثة دراهم.. وبجمال باهر حفرت لنفسها موقعا كواحدة من أروع المناطق الطبيعية بالمغرب، إنها القنطرة الطبيعية "إمنفري"، الموقع الذي تتباهى به مدينة دمنات رغما عن حجم الوافدين عليه والذي يبقى ضئيلا للغاية مقارنة بروعته.
في طريقك من دمنات يتراءى لك منظر المدينة من علٍ، تظهر لك دمنات كأدراج تعلو حينا وتنبسط حينا، تعبيرا عن بنيتها الجبلية بين سفوح الأطلس الكبير، لتغازل عينيك مناظر طبيعية غاية في الاخضرار، وتجعلك تنسى هواء مراكش المترب، وتنسجم مع طبيعة كانت إلى عهد قريب تستعمر الكثير من مناطق المغرب.
ما إن تصل إلى القنطرة الطبيعية حتى تستقبلك بعض الحافلات السياحية القادمة من مراكش، من ركبوها تشتتوا حول الموقع يترنمون بنقاء الهواء، فيما السائقون يفضلون الوقوف قرب السياج الحديدي المجاور كي يطلوا على الموقع، وغالبيتهم تنفث سجائرها بكثير من الهدوء.. مجموعة من الإشارات تحاول توثيق الموقع بين المدن المغربية: ورزازات على بعد 148 كيلومترا إن أكملت الطريق قادما من دمنات، ومنطقة تمسى تنانت في الجهة المقابلة على بعد 33، ودواوير قروية هي أيت بلال وإيواريدن في الجهة الشرقية من الموقع.
http://t1.hespress.com/files/imnifri3_304463727.jpg
كأس شاي بالزعتر هو أول ما عليك أن تبدأ به زيارتك لإمنفري، يقدمه لك شاب أمازيغي بكثير من الحب والتودد، تشربه وأنت تتأمل المنظر الطبيعي من الأعلى، قبل أن تقرر شق مسارك وسطه ما دمت تحتاج لبعض من الحيوية، خاصة في هذه الأيام التي جادت فيها السماء ببعض المطر.
ما إن تنزل إلى تحت القنطرة الطبيعية حتى تبدأ أحاسيسك في الارتجاف من معجزة طبيعية تشكلت دون تدخل أيادي البشر، ولن تستطيع مقاومة الرغبة في الولوج إلى عمق القنطرة حتى وأنت تعلم بعدم وجود جسر صغير ينقلك من الصخور إلى المدخل العميق.. تخلع حذاءك، وتعبر تلك المياه الباردة القريبة من درجة التجمد في هذه الفترة من العام، لتجد نفسك وسط عمق القنطرة، تتساقط عليك زخات باردة قادمة من مجرى مائي يجري فوقها ليزيد ذلك من رغبتك في الاستمرار داخل المغامرة.
إمنفري تظمّ نتوءات جيولوجية تشكلت منذ مئات السنين، كأن الخالق أَذِن للطبيعة بأن تُحوّل نفسها بنفسها وتنحت خناجر معلقة تحمي بها نفسها من مستبد قد يريد اغتصاب عذريتها، بذات الفضاء سناجب تقرض بعض النباتات قبل أن تدخل إلى جحورها حياءً من عيون الفضوليين، وكذا غربان تطير مجتمعة في دوائر وبنعيق يشد الانتباه، زيادة على حمام متراصّ في جماعات وبأعين مغلقة غير آبهة بحركات الزوار.. هذا جزء من ساكنة الموقع الطبيعي التي تجاورت بإمنفري منذ سنين خلت.
http://t1.hespress.com/files/imnifri1_855302163.jpg
القائمون على الموقع من الجماعة المحلية، بنوا أدراجا تساعد الزائر على المشي في عمق القنطرة، غير أن هذه الأدراج مليئة عن آخرها بزُرق الطيور، تحتاج معها إلى مسح حذائك جيدا بعد أن تنتهي من الزيارة، كما أن الأدراج ذاتها لا تحتوي على سياج حديدي، مما قد يشكل خطرا على الزائر خاصة وأنها مبللة بالمياه، مما قد يجعله ينزلق إن لم يثبت رجليه جيدا.
ينابيع المياه تنهمر بين الصخور محدثة خريرا تطرب له الأذن، امتزجت بالتراب الأحمر الذي تسبب فيه المطر، لتتحول إلى لون شوكولاتة أجمل منظرا من لون تلك التي تظهر في الإعلانات التجارية، وبين الصخور، تشكلت كهوف صغيرة قال لها مرافقنا أنهم سبقوا وأن دخلوا إليها في وقت من الأوقات، إلا أن الأمر حاليا تعتريه بعض الصعوبة لانجراف التربة.
الطريق داخل القنطرة الطبيعية تشبه نصف معين، فبعد أن تنزل قرابة منتصف الطريق، تعود لتصعد في منتصفه الثاني، ولكي تصل إلى اليابسة كي تعود إلى المكان العمومي الذي استقبلك، عليك أن تكون محترفا في الوثب الطولي، فبين أدراج الموقع، والصخور التي تؤدي بك إلى الصعود، هناك مجاري من المياه قد تضطر إلى عبورها بخلع حذائك مرة أخرى إن لم تقدر على القفز.
http://t1.hespress.com/files/imnifri2_745539936.jpg
سياح بجنسيات مختلفة، فرنسي قال لنا إنه لم يسبق له أن شاهد مثل هذا المنظر، وإنجليزي تحدث عن الراحة التي أحسها وهو يتجول بين ثناياه، شباب من المنطقة يترقبون السياح بكثير من الفضول، منتظرين أن يطلبوا منهم ما يساعدونهم فيه ببعض الدراهم، يتحدث مرافقنا عن طريق أخرى تؤدي إلى موقع إيواريضن، حيث تتواجد آثار ديناصورات عاشت هنا في وقت غابر، غير أن الذهاب إليه يستدعي وسيلة نقل خاصة وظروفا مناخية مناسبة.
مرافقنا يتحدث بأسف عن عدم استغلال هذا الموروث الطبيعي من طرف المسؤولين بالمنطقة:"هنا قد تتشكل بنية سياحية توفر فرص شغل لأبناء المنطقة مما قد يثنيهم عن الهجرة إلى مراكش والدار البيضاء، لكن للأسف، إن كان القائمون يهملون القنطرة، فكيف تريد من الزوار أن يأتوا باستمرار؟" يقول بكثير من الأسى.
يمكن للزائر أن يتذوق طاجينا أمازيغيا ب"تبزيرة" المنطقة، أصحاب المكان بسطاء للغاية ويحبون السياح كثيرا، لا فرق عندهم بين زائر مغربي أو أجنبي، يتحدث صاحب محلبة هناك عن أنه باستثناء فصل الربيع، قليلا ما يأتي الناس إلى هنا، ورغم أن المكان قريب من مراكش، إلا أن الكثير من سياح المدينة لا يعلمون عن وجود هذه القنطرة الطبيعية، كما أن المغاربة قليلا ما يتداولون اسم إمنفري رغم روعة مؤهلاتها الطبيعية.
"أودي غير جيو..ما يخصكم حتا خير"..هكذا قال لنا صاحب المحلبة بدارجة تغلب عليها اللكنة الأمازيغية، كان يَغزل وقته برمي بعض الفتات إلى كلبين يحركا ذيلهما بكثير من السعادة، في انتظار أن يشتري من عنده سائح ما قنينة ما تفتح عليه باب الرزق في يوم بارد..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق