الاثنين، 12 نوفمبر 2012

الشاي المغربي أدب وتقاليد



http://www.youtube.com/watch?v=flH0qxGfDGk

 

الشاي الأخضر -أو "الأتاي" كما يحب جل المغاربة أن يسموه فيما بينهم- له مكانة خاصة، ليس فقط في موائد الأكل، وإنما أيضا في دواوين الشعراء والأدباء، الذين أفرد كثير منهم لهذا المشروب العجيب قصائد شعرية وزجلا ومتونا لم تترك صغيرة ولا كبيرة عنه إلا وأبرزتها، وهذه جولة في أهم ما قيل عن الشاي المغربي كما فصلته دراسة للأستاذ عبد الحق المريني بعنوان "الشاي في الأدب المغربي" نشرتها سلسلة "شراع" في عددها 57 .
قصة ظهور الشاي
يورد عبد الحق المريني عدة احتمالات حول كيفية اكتشاف الشاي، منها أن "أحد أباطرة الصين القدماء كان يغلي إبريقا من الماء تحت إحدى الأشجار وكانت فوهة الإبريق مفتوحة، وإذا ببعض الأوراق تسقط في الإبريق وتفوح منه رائحة طيبة ويتغير لون الماء، وما إن تذوق الإمبراطور الصيني شيئا من هذا السائل حتى استطاب مذاقه فأوصى المقربين باستعمال هذه العملية حتى شاع في الصين شرب الشاي"، وهناك من يشيع أن أحد الكهنة البوذيين في الهند هو من اكتشف هذه النبتة التي كان يستعملها كمنبه للبقاء أكبر وقت ممكن مستيقظا.
ويورد عبد الحق المريني اتفاق جل المؤرخين على أن المغرب "عرف الشاي في القرن الثامن عشر، وبدأ انتشاره عبر المغرب في منتصف القرن التاسع عشر لما صار المغرب يتعاطى التجارة مع أوربا". وهكذا يبدو أن دخول الشاي إلى المغرب كان في عصر السلطان المولى إسماعيل حيث تلقى أبو النصر إسماعيل "أكياسا من السكر والشاي ضمن مجموع الهدايا المقدمة من قبل المبعوثين الأوربيين للسلطان العلوي" تمهيدا لإطلاق سراح الأسرى الأوربيين مما يدل على ندرته في البلاد المغربية.
ويضيف: "واحتل الشاي منذ بداية القرن العشرين مكانة متميزة في وسط الأسرة المغربية، وأصبح له طقوس وعادات، وظهرت في وسط الصناع حرفة جديدة أبدع أصحابها في صنع أدوات تحضير الشاي من: صينية، وبراد، وإبريق، وبابور، وربايع... والتصق الشاي بحياة الشعب المغربي وفرضت جلساته حضورها الدائم في وسط مختلف طبقاتهم، وقد تغنى بهذه الجلسات الشعراء والناظمون والزجالون".

















لقد تميز الأدباء المغاربة بنظم الأراجيز والمتون النثرية والمنظومة في مختلف الفنون والعلوم، ولعل الرغبة في تسهيل عملية الحفظ والمذاكرة للطلبة أهم دوافع ذلك، إضافة إلي حفظ الذاكرة التراثية. ويعد الشاي المغربي موضوعا استفاضت فيه عدة متون لعل أبرزها أرجوزة الأديب الفاسي والشاعر المغمور "عبد السلام الأزموري" بعنوان "الرائقة العذبة المستملحة الفائقة" التي يحكي فيها عن طرق تهيئ الشاي المغربي ولوازمه وأفضل مجالسه وأوقاته وغيره..
وقد قام بشرح هذه الأرجوزة العلامة سيدي المكي البطاوري تحت عنوان "شرح الأرجوزة الفائقة المستعذبة الرائقة فيما يحتاج الأتاي إليه ويتوقف شربه وإقامته عليه" هذه الأخيرة أيضا لا تخلو من نوادر طريفة وأخبار أدبية وفوائد تاريخية.
ويستهل سيدي البطاوري الأرجوزة بقوله:
الحمد لله الذي أطعمنا *** من كل مطعوم به أكرمنا
وبعد أن حمد الله مرة ثانية على نعمة الماء الصافي "كالغمم الصيب" استطرد قائلا:
مثل الأتاي "اللندريزي" الجيد *** صفرته مثل مذاب العجسد
إشارة منه إلى مصدره وهي العاصمة البريطانية لندن التي كان يسميها المغاربة آنذاك "لندريز" .
اشرب الشاي .. يتطاير الهم والسقم
ثم تعرض البطاوري لذكر منافع الشاي عند شربه كتطاير الهم عن النفس وانشراح الصدر وجلب الفرح والسرور:
إن صب في كاساته مذهبة *** على صفا صينية ملتهبة
تطاير الهم لديها وانشرح *** صدر الذي يشربه من الفرح
وقد قدم الشاعر سليمان الحوات الشفشاوني في بضعة أبيات شعرية نصيحة "الإدمان على الشاي" لما فيه من المنافع الصحية لكل سقم من الإسقام منها:
وكونوا عليه مدمنين لأنه *** شفاء النفوس إن عراها سقام
إلى أن يقول:
ويكسو الوجوه حمرة في نعومة *** كأن بها وردا سقاه غمام
ويبطئ للإنزال في الوطء باعثا *** على لذة هي المُنى والمرام
مجلس شراب الأتاي
تحدث الناظم أيضا عن عدد الأحبة الذين يستحسن وجودهم في مجلس شراب الأتاي، وذكر أن المطلوب هو التقليل وما زاد عنه فهو غير نافع:
وذا إلى ثلاثة أو أربع *** من الأحبة وما زاد ادفع
لأن الكثرة تذهب رونق الجلسة وتعكر صفوها. ولكن إذا كان "الزائد" مطربا ومغنيا يشنف أسماع الشاربين بصوته العذب وبنغمات عوده، أو كان "مُقيما" ومهيئا للأتاي وهو ذو عذوبة وملاحة ووجه حسن، فذلك هو تمام الأرب ونهاية الاستحسان وقد صادفت الزيادة محلها:
ما لم يكن مغنيا أو مطربا *** أو ذا ملاحة يرى محببا
فهو الذي يقيمه ويحسنه *** وكلنا من يده نستحسنه
ساقي الشاي بدلا من ساقي الخمرة
لقد قارن بعض الشعراء المغاربة "مقيم" الأتاي وهو ذلك الرجل الذي يشرف على عملية الإعداد وصبه في الكؤوس لتقديمه للحاضرين، بساقي الخمرة عند الشعراء العرب، وأتوا بنفس الأوصاف له، من ذلك قول بعضهم:
وقام يسعى بأتاي يميس بها *** كأنه غصن أثقلته أثمار
وقول البطاوري في إحدى نزه الطلبة:
وساق بديع الشمائل قد *** تهذب طبعا وحاز الأدب
غنينا بطلعته والغنا *** ورشف الأتاي ولقط الذهب
وقوله أيضا:
اليوم يوم الأحد *** وما نرى من أحد
فأقدم إلينا عاجلا *** نغنم بلوغ المقصد
من كأس أتاي غدا *** ويحكي مذاب العجسد
يدار من كف رشا *** ظبي كحيل أغيد
قبل الطعام وبعده
إذا كان ناظمنا ترك لشارب الشاي الحرية في اختيار وقت شربه قبل الطعام وبعده، بقوله:
خذه فدتك النفس من قبل الطعام *** أو بعده فما عليك من ملام
فإن الشاعر سليمان الحوات الشفشاوني رجح تقديم شرب الأتاي على "طيبات الأقوات":
وكونه قبل الطعام يحتمل *** وهو الشهير وبه جرى العمل

أما إذ كان الطعام كسكسا فشربه بعده يعد إساءة ما بعدها إساءة أجمعوا عليها كلهم:
إلا إذا كن الطعام كسكسا *** فكل من أخره فقد أسا
وقول الحوات:
وضعف التأخير عنه ومنع *** بعد الكساكس بإجماع سمع
وقد أجاز الناظم شرب الأتاي على خلاء المعدة قبل الشروع في تناول الطعام:
وشربه على خلاء المعدة *** جاز على شرط حضور مائدة
تأكل منها لقمة أو لقمتين *** من قبل أن تشرب منه حلقتين
في الصبوح والغبوق
أما وقت شرب الأتاي فقد حدده الناظم بقوله:
ووقته وقت سرور وانبساط *** وحيثما دعا لشربه النشاط
ووقت الصباح عندهم مستحسن *** لكنه بعد العشاء أحسن
مشيرا بذلك إلى الصبوح، أي فترة الصباح، وإلى الغبوق، أي فترة العشي، وهو المفضل عندهم.
وقد وضح الناظم وجه أحسنيته لشرب الشاي بعد العشاء بقوله:
تأمن فيه مع غلق الباب *** وسدل ما يستر من حجاب
والأمن من كل ثقيل يدخل *** أو خبر على النفوس يثقل
ولكن:
إذا حل الثقيل بأرض قوم *** فما للساكنين سوى الرحيل
ويعني الناظم بـ"الثقيل" ما يسمى بالطفيلي، ويدعى الطفيلي على مجالس الشراب في الأدب العربي بـ "الواغل" وعلى مجالس الطعام بـ "الوارش" .
الشموع والنظافة في مجلس الأتاي
إذا كان شرب الشاي بعد العشاء فلا بد له من إضاءة الشموع الموضوعة على الحسك النحاسية. يقول الناظم:
واختر له من الشموع الأبيضا *** كألسن الأفعى إذا تلضلضا
على قوام حسك "التنباك" *** من فوقها طول الدياجي باك
كما أن الناظم لا يبيح أن يعقد مجلس شراب الأتاي في ضوء القناديل "الوسخة" ؛ إذ النظافة شرط أساسي بالنسبة لأداء الإضاءة والساقي وكؤوس الشراب:
ولا أرى الأتاي بالقنديل *** والزيت والمنخاس والمنديل
إذ كل أمره على النظافة *** قد انبنى وشرطه اللطافة
لاسيما الساقي الذي يناوله *** كذلك الكأس الذي نستعمله
الشاي والشواء والحلويات
من فوائد الشاي كما يسرد ذلك الدكتور عبد الحق المريني في دراسته على أرجوزة الناظم عبد السلام الأزموري :
وشربه على الشواء والكباب *** يفتح للشهوة منه ألف باب
ويستحسن الشاعر شربه على أنواع من الأطعمة المغربية دون أن يذكر علله في ذلك:
وشربه على اللحوم جيد *** لكنه على الدجاج أجود
وشربه على رؤوس الظأن *** مشوية شأن وأي شأن
وشربه على الكفوت المعجبة *** أحبب به من مشتهى ما أطيبه
وشربه على الرغائف التي *** بالزبد والعسل قد أعملت
أحسن شيء نلته صباحا *** وإن تداومه تنل صلاحا
وغالبا ما يرافق شرب الشاي تناول "الحلويات المغربية" التي عددها الناظم في قوله:
وشاع بـ"الكعب الغزالي" وما *** أشبهه في سلكه قد نظما
كالكعك و"الغريبة" المكرمة *** محشوة طيبة منعمة
وجوزوا "البشكوت" وهو صوره *** كذا "القراشيل" لدى الضرورة
كيف يقدم الشاي؟













 يخلص الناظم في الأخير إلى الحديث عن الأواني التي تستعمل في تهيئ الأتاي من قبيل : البابور (السماور) والبقراج والبراد والصينية والكؤوس..
يختار للأتاي بابور غدا *** بلونه الأصفر يحكي العجسدا
ورجح البقراج عنه إلا *** لعدم من يأتي به وإلا
إذ المقام يقتضي البابورا *** كأن ترد أن ترخي الستورا
وقد رجح المقراج على البابور لأسباب أتى بها:
واختير للبقراج ما يحمله *** من مجمر الصفر يكون مثله
ذا أرجل غدا عليها واقفا *** فيه من الماء الزلال ما كفى
ولا تثق بصوته إذا غلا *** حتى ترى البخار للجو علا
ثم ختم الناظم واصفا هيئة الصينية المخصصة للشاي:
وانتخب الصينية السنية *** من الكؤوس قد غدت ملية
وقد جرى العمل في الكؤوس *** بان تكون عدد الرؤوس
برادها كأنه شيخ غدا *** يملي على الكؤوس منه سندا
وإن يك المدير قد حاز الجمال *** في خلقه وخلقه فهو الكمال








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق