الخميس، 1 نوفمبر، 2012

البوعناني.. شاعر مغربي جميل

البوعناني.. شاعر مغربي جميل
بقلم: خليل الفزيع
الذين يتابعون الحركة الأدبية في المغرب الشقيق .. يعرفون دون شك، الشاعر المغربي محمد البوعناني، ابن أصيلة البار، الذي زاول التعليم في بداية حياته حتى اجتذبته الصحافة والإذاعة والتلفزة، فعمل في حقلها في المغرب وفرنسا وأسبانيا، وعين مندوباً للإذاعة والتلفزة المغربية لدى التلفزة الأسبانية والأوروفزيون. فاشتهر ببرامجه المتخصصة في المسابقات الثقافية، وشؤون البحار، ولم يزل علما من أعلام الحركة الأدبية المعاصرة في المغرب، وعضواً في عدد من الاتحادات الأدبية، ومنها طبعا اتحـاد كتاب المغرب.
ولأن الشــاعر البوعناني يتمتع بروح متفائلة ومرحة، فقد حظيت الإذاعة المغربية بعدة برامج فكاهية أعـدها وقدمها بنفسه، ونهل معظم مادتها من التراث المغربي الأصيل، محاولاً ربط الأجيال الجديدة بتراث الآباء والأجداد، دون أن ينسى معطيات العصر، فيما قدم من مادة فكاهية هي حديث أبناء المغرب وليس أبناء أصيلة فقط . وقد أهدى إلي الشاعر الصديق محمد البوعناني ديوانه (الليل الأبيض) وفي هذا العنوان بعض من تفاؤله بالحياة، فإن كان الليل حالك السواد بالنسبة للكثيرين، فإنه أبيض لدى الشاعر البوعناني، وعن ليله الأبيض يقول :
الليل لا يسودّ في عمري
وشمسي لا تغيب
الليل والنهار في موائدي
كقهوة مع الحليب
شفافة الفنجان
كبؤبؤ العنبر
فوق مقلة المرمر
كالشامة فوق الشفة الحمراء.
ولليل مع الشـاعر أكثر من حكاية، وهو يرى في الليل ما لا يراه غيره، والشاعر له دائما، رؤيته ورؤاه، هذه بعضها في قصـيدته (حبيبتي والليل):
أيها الليل يا نديم الروابي
وعريس الهوى ونادي التصابي
يا رضيع الأسرار من حلم الدهر
ومهد الغـايات والأسباب
زمن الكون بالغياهب ألبسه حجـابا ينوء فوق حجاب
قيد البدر بالغيوم فلا يوقـظ
منه السنى حـيارى الشباب
لكن ماذا يقول الشاعر عن مدينته أصيلة. دعونا نرحل معه في
هذا البوح الحميم :
يا ريح تيهى وهـبي
على الضفاف الأمينه
ودغدغي كل رطب
في أمسـيات أصيله
مـدينتي أنت لـبي
ودفـتي في السفينه
سلبت من كل صب
خيالــه ويقيـنه
فذبت في كل قلب
في كل رؤيا جميلـة
والقصـيدة طـويلة لكنهـا عذبة الكلمات. . جميلـة المعـاني، كما هي (أصيلة) عذبة النسمات جميلة المباني المزينة بالجداريات، التي أجاد رسمها فنانو (أصيلة) ليشاهدها مثقفو العالم الذين يتوافدون إليها من كل حدب وصوب، في صيف كل عام لحضور (مهرجان أصيلة الثقافي) الكبير .
ومن يعرف الشاعر محمد البوعناني عن قرب سيأسره لطفه، ودماثة خلقه، وطيبة قلبه، وهي صفات غالباً ما تتوفر في الشاعر الأصيل، الذي هذبته الحضارة، وطوى الشعر من نفسه بقايا الصفـات الهزيلة، ليسمو بصفاته كما سما بكلماته إلى آفاق واسعة من كرم الخلق ولين الجانب وحسن المعشر، وفي شوارع الـدار البيضاء أو الـرباط أو طنجة أو أصيلة. يستوقفه الناس، ليسألوا عن برامجه التي استحوذت على اهتمام الجماهير، لأنها قريبة إلى نفوسهم، ولأنها قريبة إلى حياتهم، فبرامجه عن البحار والصيد البحري تلقى قبولاً حسناً لدى عامة الناس، خاصة في المناطق البحرية والمـدن الساحلية، وقد شهدت أثناء رفقتي معه في زيارتي لبعض المدن المغربية، مدى حب الناس لمحمد البوعناني، وأقصد الناس البسطاء، في الأسواق؛ في الحارات الشعبية، في المقاهي، في المكتبات العامة، والأكثر من ذلك أننا كنا في بعض المدن الواقعة في إقليم الأندلس نتوقف عن التجوال في الأسواق أو الشوارع، عندما يعترضه بعض المغاربة المهاجــرين ، ليسألوه عن أحواله وأحوال الوطن، وقد عبر عن حبه لأسبانيا في قصيدته التي سماها (أرض الجمال) التي أهداها إلى المستشرقة كارمن رويث برافو وفيها يقول :
لم تطلع الشمس أزهارا على الدنيا
أندى وأعطر إلا فوق أسبانيا
تلك الأشعة والأزهار ما فنيت
فــي قلبنا إنها آمـالنا العـليا
أرض أعز بها الإنسان وقفته
بين الينابيع يفشـي حبهـا ريا
أرض الجمال وميعاد اللقاح إذا
مات النبوغ ففي أكنافهـا يحيا
وحول هذا الديوان (الليل الأبيض) لابد من قول كلمة وهي أن شعره العمودي أقوى من حيث السبك وحسن الصياغة من شعره التفعيلي، وهو يحافظ في قصائده العمودية على مستوى أقوى من الإتقان الفني، ولا تخلو قصائده من البوح الصريح والمباشر، مما لا يستسيغه بعض قراء الشعر، وخاصة في شرقنا العربي، فهو عندما يكتب الشعر ينطلق على سجيته متناسياً كل المحاذير. ولعل لروافد ثقافته، مما أطلع عليه من الثقافة الفرنسية أو الأسبانية التي يجيد لغتهما.. أقول أن لعل لهذه الروافد تأثيرها في جنوحه إلى هذه المباشرة .
ومن جميل شعره :
الصمـت في عينيك غـنه
والنار في شــفتيك جنه
والمـوت فوق ذراعـك
العــاجي حياة مطمئنه
ياسر عمر لست أفضحـه
وأكـره أن أكــنّـه
من نار ثغرك كل مروحة
تهب بألـف مـــنّه
غطـى الفـؤاد يقيـنَهُ
حـتى يعـرّي فيك ظنه
ويعيـش لا يرتـاح أو
يحصي مع اللـذات سنّه
ولأن البوعناني من جيل الوسط بين شعراء المغرب، فإنه لم يرسف في أغلال المدرسة التقليدية في الشعر التي انحاز لها جيل الرواد، كمل أنه لم ينجرف وراء موجة التقليد والطلسمة التي انقاد لها جيل الشباب، فهو وإن تمتع بروح الشباب وحيويته في حياته العامة، ألا أنه في شعره شديد الحرص على الأصالة في الروح والمعنى.. شديد التمسك بها في الصياغة والأسلوب، تتوج ذلك لغة سليمة، لا تثقلها العيوب اللغوية، ولا تشوهها الشوائب الأسلوبية .
وشاعرنا البوعناني ـ كما عرفته ـ يتمتع بذاكرة ضوئية، وهي موهبة لا يتمتع بها إلا قلة من الناس الذين حباهم الله بصفات مميزة دون غيرهم من البشر، وهذه الذاكرة هي التي يسرت له حفظ القرآن الكريم، والمطولات من الشعر العربي قديمه وحديثه، مما ساعده على تأصيل ثقافته الشعرية، وساعد على تعميقها لتبرز بعد ذلك بهذا الوضوح والتجلي، وكان (الليل الأبيض) خير دليل على هذا الوضوح والتجلي .
ومثل جمال شعر البوعناني، يأتي حسن إلقائه الذي يأخذ بمجامع القلوب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق